الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

199

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأن في تلك الأنباء عظة للمتبعين بسيرهم . وأن ملاك ضلال الضالّين عدم خوفهم عذاب اللّه في الآخرة فلا شك في أن مشركي العرب صائرون إلى ما صار إليه أولئك . وانفردت هذه السورة بتفصيل حادث الطوفان وغيضه . ثم عرض باستئناس النبي صلى اللّه عليه وسلم وتسليته باختلاف قوم موسى في الكتاب الذي أوتيه فما على الرسول وأتباعه إلا أن يستقيم فيما أمره اللّه وأن لا يركنوا إلى المشركين ، وأن عليهم بالصلاة والصبر والمضي في الدعوة إلى الصلاح فإنه لا هلاك مع الصلاح . وقد تخلل ذلك عظات وعبر والأمر بإقامة الصلاة . [ 1 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( 1 ) الر تقدم القول على الحروف المقطعة الواقعة في أوائل السور في أول سورة البقرة وغيرها من نظرائها وما سورة يونس ببعيد . كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ القول في الافتتاح بقوله : كِتابٌ وتنكيره مماثل لما في قوله : كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ في سورة الأعراف [ 2 ] . والمعنى : أن القرآن كتاب من عند اللّه فلما ذا يعجب المشركون من ذلك ويكذبون به . ف ( كتاب ) مبتدأ ، سوغ الابتداء ما فيه من التنكير للنوعية . و مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ خبر و أُحْكِمَتْ آياتُهُ صفة ل ( كتاب ) ، ولك أن تجعل أُحْكِمَتْ آياتُهُ صفة مخصصة ، وهي مسوغ الابتداء . ولك أن تجعل ( أحكمت ) هو الخبر . وتجعل مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ظرفا لغوا متعلقا ب أُحْكِمَتْ و فُصِّلَتْ . والإحكام : إتقان الصنع ، مشتق من الحكمة بكسر الحاء وسكون الكاف . وهي إتقان الأشياء بحيث تكون سالمة من الإخلال التي تعرض لنوعها ، أي جعلت آياته كاملة في نوع الكلام بحيث سلمت من مخالفة الواقع ومن أخلال المعنى واللفظ . وتقدم عند قوله تعالى : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ في أول سورة آل عمران [ 7 ] . وبهذا المعنى تنبئ المقابلة